السيد محمد حسين فضل الله

304

من وحي القرآن

فيه الأشياء من خلال قوانينها الطبيعية التي فرضتها الإرادة الإلهية الغيبية ، من دون أن يعني ذلك - في سلبياته وإيجابياته - ثوابا ولا عقابا ، أو تحليلا أو تحريما ، لأن القضية مرتبطة بذاتيات الحركة الوجودية في النظام الكوني . الله يملك رزق العباد وإذا كان الإنسان يحوّل عناصر الرزق المنفتحة على الخير في إمكاناتها الطبيعية إلى شرّ ، أو الحلال إلى حرام ، فإن ذلك لا يعني أن اللَّه يرضى بالشر أو بالحرام في فعل الإنسان ، بل إنه يرفضه من خلال تشريعه الذي يحدد فيه للإنسان ما يفعله أو يتركه تبعا للمصالح والمفاسد الكامنة في الأشياء ، فنحن لا يمكن أن ننسب إلى اللَّه الرزق الحرام من ناحية تشريعية ، لأن اللَّه لم يخلق الرزق حراما ، بل خلقه في نطاق قابليته للخير وللشر من الناحية التكوينية ، وأعطى الإنسان حريته في إدارة ذلك من موقعه الوجودي ليواجه مسئولياته أمام اللَّه في تحريكه الأمور في الاتجاه المرسوم . وفي ضوء هذا ، نعرف أن الرزق خير كله ، ولكنه ككل وجود محدود ، يحمل في داخله التنوع الذي يجعله متحركا في أكثر من بعد من أبعاد الواقع في الإرادة الإنسانية . ولعل من الواضح - من خلال ما ألمحنا إليه - أن الرزق لا يختص بأي جانب من جوانب الحاجات الإنسانية ، بل يشمل الحاجات المادية والمعنوية معا مما يتصل بحياة الإنسان الجسدية أو الروحية أو الاجتماعية أو الثقافية أو غير ذلك . أما كلمة بِغَيْرِ حِسابٍ فقد فسرها الزجاج بأن المعنى « بغير تقتير ، كما يقال : ينفق بغير حساب ، لأن من عادة المقتر أن لا ينفق إلا